البكتيريا المفترسة.. تطبيقات واعدة في الصحة والبيئة

13

في مواجهة معملية بين خليتين من الخلايا البكتيرية: الأولى خلية فيبريو كوراليليتيكس Vibrio coralliilyticus، وهو ميكروب بحري كبير على شكل قضيب، والثانية لميكروب صغير جدا، وهو هالوبكتيريوفوراكس Halobacteriovorax، أمسك الميكروب الصغير بالبكتيريا الأكبر.

وفي تقرير مطول منشور على موقع نيويورك تايمز New York Times بتاريخ 25 أغسطس/آب الجاري، تتناول الكاتبة “كاثرين جيه وو” هذه المواجهة التي جرت فصولها في أحد المعامل الأكاديمية الأميركية.

تقول الكاتبة إن بكتيريا الفايبرو اليائسة سعت للتخلص من مهاجمها، فكانت تتلوى وتدور في بركة من السائل، متعرجة في عبث قبل أن تصل أخيرا إلى “توقف صارخ” كما وصفتها الدكتورة لورا وليامز، عالمة الأحياء الدقيقة في جامعة فلوريدا إيه آند إم Florida A&M University.

ثم بدأت بكتيريا الهالو عملها: فهي تثقب الجزء الخارجي من الفايبرو وتبدأ في النفاذ إلى التجويف الداخلي، حيث ستغرق في أحشاء مضيفها، وتستنسخ نفسها عدة مرات وتنطلق بحرية للعثور على وجبتها التالية.

تحمل هذه البكتيريا المفترسة وعدا هائلا بتطبيقات عملية رائعة. حيث يمكن أن تساعد الناس على التغلب على الميكروبات الضارة في البيئة، أو تطهير مسببات الأمراض من الإمدادات الغذائية.

ويعتقد بعض الخبراء أنها يمكن أن تخدم يوما ما كنوع من العلاج الحي فتساعد في إزالة الجراثيم المقاومة للأدوية من المرضى الذين فشلت جميع العلاجات الأخرى لديهم.

يقول تيرينز ساكي، عالم الأحياء الدقيقة الذي يدرس البكتيريا المفترسة في معهد دي دوف في بلجيكا de Duve Institute، إنه لاستخدام هذه المجموعة من الميكروبات كمضاد حيوي حي “نحتاج إلى معرفة كيفية نموه (إذ) لا يمكننا استخدامها إذا لم نفهمها”.

تم اكتشاف البكتيريا المفترسة عن طريق الصدفة، حيث عثر العلماء عليها منذ أكثر من نصف قرن أثناء البحث عن نوع آخر من الميكروبات القاتلة تسمى العاثية bacteriophage، أو الفيروس الذي يمكن أن يصيب البكتيريا ويقتلها. قبل ذلك، كما تقول الدكتورة لورا “لم يكن معروفا أن البكتيريا تفترس بكتيريا أخرى بهذه الطريقة”.

إن تلك البكتيريا المفترسة التي استعصت على الكشف فترة طويلة مثيرة للدهشة إلى حد ما. إذ تعج البحار وتلال التراب بعشرات الأنواع، ويُعتقد أنها قوية بما يكفي لتحمل أحشاء الحيوانات، بما في ذلك أحشاؤنا، ويبدو أنها توجد في كل مكان من مياه الصرف الصحي الخام إلى خياشيم السرطانات.

لكن العاثيات والبكتيريا المفترسة وحوش مختلفة تماما. حيث تميل العاثيات إلى استهداف نطاق ضيق من العوائل، في حين تكون العديد من البكتيريا المفترسة أقل قناعة.

فبعض البكتيريا المفترسة قابلة لأكل عشرات بل مئات من الأنواع البكتيرية، مما يمكنها من الازدهار في معظم الموائل. وبينما تعمل العاثيات بسرعة، وفي غضون ساعات، فإن البكتيريا المفترسة تتكاثر، وأحيانا تستغرق أسابيع لتنمو في المختبر.

مع ذلك، فإن أسلوب حياتها المفترس مثمر للغاية لدرجة أنه يبدو أنه تطور أكثر من مرة. يقول دانييل قدوري، عالم الأحياء الدقيقة بجامعة روتجرز Rotgers University الذي درس البكتيريا المفترسة منذ عام 2003، بشكل عام، تعد البكتيريا المفترسة “آلات قتل فعالة للغاية”.

في الدراسات التي أجريت على الحيوانات، أظهرت البكتيريا المفترسة نتائج واعدة في استهداف الجراثيم المسببة للأمراض مثل السالمونيلا واليرسينيا الطاعونية التي تسبب الطاعون.

وقام الدكتور قدوري ونانسي كونيل عالِمة الوراثة الميكروبية في مركز جونز هوبكنز للأمن الصحي Johns Hopkins Center for Health Security بإعطاء جرعة من بكتيريا ديلوفيبريوس الثاقبة Bdellovibrios في رئتي الجرذان والفئران، وشاهداهما يلتهمان معظم الفريسة.

ولا تهتم البكتيريا المفترسة بالخلايا غير الميكروبية، ولا يبدو أنها تثير جهاز المناعة حتى عند وضعها مباشرة على سطح مقلة عين الأرنب.

ويقول د. قدوري إن هذا يشير إلى أن هذه الميكروبات يمكن أن تكون آمنة للاستخدام على البشر، فلقد “دفعنا الكثير من البكتيريا المفترسة إلى الحيوانات ولم نشهد أبدا استجابة مناعية عدوانية”.

لكن هذه الحيوانات المفترسة تزدهر فقط في وجود فرائسها، لذا فهي تكافح عادة لقهر مجموعات كاملة من الميكروبات بمفردها. وكونها ميكروبات، فإنها في النهاية ستخرج من الجسم بواسطة الخلايا المناعية، والتي “ليس لديها أي دفاع على الإطلاق” كما قال الدكتور كونيل.

ونتيجة لذلك، فإن البكتيريا المفترسة ليست مرشحة قوية لعلاج الالتهابات التي انتشرت بالفعل في جميع أنحاء الجسم. ومع ذلك، قد يتم إقناع البكتيريا المفترسة، عند إدارتها بالطريقة الصحيحة، للعمل بالتنسيق مع الاستجابة المناعية للقضاء على أهدافها.

ويمكن أيضا أن يشاركوا مع علاج آخر مثل المضاد الحيوي أو حتى جرعة خفيفة من العاثيات.

يقول د. قدوري “نحن بحاجة إلى البدء في التفكير في الأساليب الشاملة. إنها أداة أخرى في الترسانة”.

البكتيريا المفترسة ليست أسلحة دمار بشكل حصري. ففي ألمانيا، تعمل الدكتورة جونكي على سلسلة من المشاريع التي تسلط الضوء على مهارات صنع السلام للميكروبات في مجتمع معقد من البكتيريا التي تعيش في الأمعاء.

وتقول إن بعض الأدلة تشير إلى أن “البشر الأصحاء عادة ما يكون لديهم بكتيريا مفترسة” كجزء من المجتمع البكتيري المتعايش بشكل طبيعي فجسم الإنسان. وأضافت أنه لا يُفهم سوى القليل عن دورها. لكن من المحتمل أن تحافظ على النظام في القناة الهضمية وتضمن عدم وجود نوع واحد ينفد.

ويقترح عمل الدكتورة جونكي أن الأشخاص الذين يعانون من اضطرابات الجهاز الهضمي ربما فقدوا هذا التوازن الدقيق.

وقد تساعد إعادة إدخال البكتيريا المفترسة إلى النظام البكتيري لجسم الإنسان في استعادته. وقالت جونكي: في عالمي المثالي، يمكننا استخدام البكتيريا المفترسة الثاقبة كنوع من الكائنات الحية المجهرية.

ومن المحتمل أيضا استخدام ديناميكية مماثلة في الطبيعة، حيث قامت الدكتورة وليامز بتحويل معظم انتباهها إلى ذلك، فحتى الكميات الضئيلة من البكتيريا المفترسة يمكنها إعادة تنظيم العضوية الميكروبية لعينة من مياه البحر تماما.

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: