حاجة لبنان إلى إعادة إعمار السياسة

11

لم يتأخر اللبنانيون في تلبية نداء الحياة الذي يعشقونه، فبدأوا على الفور في إزالة ركام البيوت المهدمة، والحوائط الزجاجية المحطمة، وتعليق اللافتات التي انخلعت من مكانها، وتهيئة الشوارع أمام المارة، مع تضميد جراح مصابيهم، ودفن موتاهم من الانفجار الرهيب الذي ضرب ميناء بيروت مع حلول مساء الثلاثاء الفائت.

هذا بوسع ذلك الشعب اللبناني الصبور، المقبل على العيش بلا حد، أن يفعله، لكنه لم يزل بعد واقفا على باب ركام أشد قسوة، وأكثر تكدسا، وأرسخ وجودا، هو من مخلفات سنوات الطائفية، التي انفجرت عنفا في حرب أهلية امتدت من 1975 إلى 1989، واستوت سلمًا في اتفاق أقر النظام الطائفي، باعتبار أن هذا يمثل “الواقعية السياسية” أيامها، أملا في أن يتغير السياق، وتتبدل الظروف، وتختلف المعادلات، وتتجدد قواعد الممارسة السياسية، فتخرج لبنان من كهف الطائفية إلى براح الدولة الحديثة، لكن ها هي السنوات قد كرت ومرت ولا يزال لبنان عند حاله القديم.

إن بيروت الجميلة، تكاد ألا تندمل جراحها السياسية. فهناك أعداء متربصون بها، أكثرهم خطورة عليها هم بعض أهلها، الذين لا يريدون أن يأخذوا بيدها؛ لتستمر “ست الدنيا” كما غنت لها قيثارة السماء فيروز تريد بيروت، وكما هو كل لبنان، مفارقة حياة “ملوك الطوائف” وتدخل الدنيا الحديثة، لكن هؤلاء لا يريدون، وإسرائيل أيضا، كما كان نظام حافظ الأسد الذي لم يكن أمامه من سبيل لإقرار وجوده واستغلاله للبنان إلا تكريس الطائفية، وتغذيتها، وخلق مراكز نافذة داخل كل طائفة، مرتبطة بهذا النظام، على حساب انطلاق لبنان إلى مستقبل يليق ببلد مختلف بتكوينه الاجتماعي، وخلفية أهله الثقافية، وارتباطاتهم التاريخية، ورهاناتهم على الحاضر والمستقبل، ومثله فعلت أنظمة إقليمية حولت لبنان إلى ساحة لتصفية خلافاتها، وترك مخلفاتها السياسية، الضاجة بالإكراه والضغائن.

إن النخبة السياسية اللبنانية تبدو المسرح الشكسبيري الذي يجمع بين فرقاء يتآمرون في الخفاء ويتصارعون في العلن حول المطامح والمصالح والمناصب. وتتشرب هذه النخبة ملامح المجتمع اللبناني الفسيفسائية المعقدة فتأتي على شاكلتها مختلطة متداخلة، تتقارب وتتباعد وتتجاذب وتتنافر في حالة من الغليان الذي لا يعرف سبيلاً أو طريقًا إلى الراحة. ففي لبنان يوجد كل شيء وكل نوع من البشر، الأثرياء المتخمون الذين يتجشؤون البطر والفقراء المعدمون الذين يناطحون الحياة من أجل لقمة عيش تسد جوعتهم أو ثوب يستر عورتهم، هناك القصور الفاخرة والسيارات الفارهة في بيروت وجبل لبنان مثلاً وهناك أكواخ البسطاء وعزب الصفيح على أطراف المدن وفي أغوار الأقاليم. هناك من الناس المستبحر في العقيدة المستعد أن يدفع حياته ثمنًا لها كعناصر حزب الله وهناك المتفلت والعبثي الذي لا يؤمن بشيء.

وتسيطر “ذهنية الصفقة” على جانب من الحياة، وكما انقسمت العائلات قسمت المناصب السياسية أو وزعت، فرئيس الدولة مسيحي ورئيس الوزراء مسلم سني ورئيس مجلس النواب مسلم شيعي وفي ذات الوقت توزع مقاعد البرلمان وكراسي الوزارة ووظائف الإدارة العليا على الطوائف حسب وزنها الاجتماعي. والحياة السياسية عامة يحكمها الزعماء، وهم قادة الطوائف ورؤوس الميليشيات ورؤساء الأحزاب وكبار الملاك.

ولبنان الذي انفتح على العالم مبكرًا نهل من الثقافات المختلفة حتى ارتوى وتلونت خريطته الفكرية بشتى الألوان فهناك التحديثي وهناك التقليدي وهناك الراديكالي في مقابل المحافظ ويوجد من يفكر تفكيرًا لاتينيًا ومن يسلك نهجًا أنجلوسكسونيا، ويحيا فريق حياة دينية خالصة، وفريق آخر لا يرى للعلمانية بديلاً، وفي خضم هذا الانفتاح لا تزال العشائرية تعشش في العقل اللبناني.

إن بعض هذا يعطي لبنان شخصية مختلفة، وذائقة مغايرة، لكنه يصنع ركاما شديدا، من الضروري أن يفكر اللبنانيون في التخلص منه، لا سيما مع الروح التي ولدت في الشهور الأخيرة راغبة في التغيير.

وفي طريق رفع الركام يولد سؤال: هل يعدم لبنان رجال دولة يمكن أن يساعدوا في انتشاله من أزمته الراهنة؟ للوهلة الأولى يمكن أن نجيب بـ”لا” ثم نتأكد حين نستعرض “النخبة السياسية المضادة” التي تقف في وجه “النخبة الحاكمة” الموزعة على مختلف الطوائف.

فإذا كانت هناك نخبة قد تبوأت مقاعد السلطة سواء في البرلمان أو الوزارة يوجد من يقابلها، وهم أولئك الذين يخسرون في المنافسة الانتخابية على مقاعد مجلس النواب والذين يتم تجاوزهم عند تشكيل الحكومات، وكذلك بارزون ووجهاء لم يتم تجريبهم من قبل.

وهؤلاء يشكلون نخبة قوية في وجه النخبة الحاكمة حيث يمتلكون ذات المقدرات من التأييد والدعم المحلي والتمرس في العمل السياسي العام وامتلاك الثروة والتاريخ.

ورغم أن الحكومات المشكلة دائمًا تراعى مسألة احتواء أصحاب النفوذ وترضية الطوائف إلا أن الحياة السياسية اللبنانية مليئة بالمتذمرين والمتمردين؛ لذا ليس من الغريب أو الجديد أن تجد عقب كل تشكيل وزاري مجموعة ترفض وتعارض بشدة وهي ليست من أولئك الذين تم استبعادهم فقط بل أيضًا من بين الوزراء أنفسهم الذين لا يرضون عن حقائبهم وكانوا يطمحون في حقائب أعلى وأكبر. وهؤلاء بوسعهم أن يجدوا في ركاب الغضب الشعبي المتصاعد ما يحملهم إلى حيث يريدون.

في العموم فإن نشاط النخبة السياسية في لبنان سواء الحاكمة أو المضادة جعل الحياة السياسية هناك مليئة بالحركة ومتيمة بالتغيير فهناك نحو سبعين وزارة في 77 عامًا تقريبا، ومجلس النواب ينتقل عدد أعضائه من 55 إلى 66 إلى 77 ثم يهبط إلى 44 ويرتفع إلى 66 ويقفز إلى 99 ويستمر هكذا من عام 1960 حتى بعد انتهاء الحرب الأهلية، فيقفز إلى 108 أعضاء ثم أخيرًا 128 عضوًا. فالطوائف تزيد وتبرز قوة بعضها؛ ولذا لا بد من أن يتم التنفيس عن هذه القوة بتوزيع الأعداد والمناصب والأدوار وإلا حدث الانفجار بل إن هذا الانفجار كان محتومًا فاندلعت الحرب الأهلية وشوهت صورة لبنان الاجتماعية ولطخت جدرانه بدماء أبنائه، ويكفي أن نقرأ رواية الأدبية اللبنانية رجاء نعمة “كانت المدن ملونة”؛ لنعرف القدر الهائل من المعاناة والإحباط والتفسخ الاجتماعي الذي أصاب لبنان في هذه الحرب.

وازداد الأمر سوءًا حين داهمت قوات إسرائيل لبنان الجريح عام 1982 فافترست جزءًا منه واقتطعت بعض نخبته السياسية بجماهيرها فجيشت منها جنودًا عملاء ولم يطق الشاعر الفذ خليل حاوي أحد أبرز وجوه النخبة المثقفة هذه المفارقة فانتحر احتجاجًا على أداء هذه النخبة المتصارعة التي أورثت لبنان الخراب والاحتلال، بعد أن لخص الحال اللبنانية كلها في بيتين من الشعر يقولان:

“نحن من بيروت مأساة ولدنا بوجوه وعقول مستعارة

تولد الفكرة في السوق بغيا ثم تقضي العمر في لفق البكارة”.

بعد الطائفية قفزت ثلاث قضايا دارت حولها النخبة السياسية اللبنانية في أدائها وتحسب حسابها في تنافسها وهي: “تحرير الأرض السليبة، وإعمار البلاد المخربة، والحد من صراع الطائفية المرذول”، وستظل هذه القضايا تؤرق النخبة السياسية اللبنانية في المستقبل المنظور.

وبينما نجحت في الأولى، حين انسحبت إسرائيل عام 2000 من طرف واحد، فإن مسار الإعمار تعثر بسبب الفساد، وتعمقت الطائفية الصامتة، وزاد الاستقطاب السياسي، وصارت لبنان ساحة لتصفية صراعات إقليمية ودولية، وضعف الولاء للدولة.

اليوم يعيش لبنان غليانا أشد، فبينما كانت تداعيات انتفاضة أكتوبر الماضي لا تزال سارية جارية وقع انفجار مرفأ بيروت، وسط أزمة اقتصادية طاحنة، ومخاوف أمنية عميقة، فاستقالت الحكومة أو أقيلت، وتعالت الدعوات إلى إجراء انتخابات نيابية، وفي ركابها هناك فقدان ثقة في النخبة السياسية الحاكمة، واتهام لها بأنها مصابة بمرض طائفي مزمن يغلفه فساد وقلة كفاءة إدارية، ولهذا فإن السعي سيزيد مستقبلا وراء نخبة مضادة، لن يكون بمقدورها، إن تقدمت في الحياة السياسية، أن تعالج المشكلات المطروحة، وأولها الطائفية، بين يوم وليلة، لكنها قد تنجح في إنقاذ لبنان من الانهيار عبر فوضى أو حرب أهلية جديدة، لا قدر الله.

لم يتأخر اللبنانيون في تلبية نداء الحياة الذي يعشقونه، فبدأوا على الفور في إزالة ركام البيوت المهدمة، والحوائط الزجاجية المحطمة، وتعليق اللافتات التي انخلعت من مكانها، وتهيئة الشوارع أمام المارة، مع تضميد جراح مصابيهم، ودفن موتاهم من الانفجار الرهيب الذي ضرب ميناء بيروت مع حلول مساء الثلاثاء الفائت.

هذا بوسع ذلك الشعب اللبناني الصبور، المقبل على العيش بلا حد، أن يفعله، لكنه لم يزل بعد واقفا على باب ركام أشد قسوة، وأكثر تكدسا، وأرسخ وجودا، هو من مخلفات سنوات الطائفية، التي انفجرت عنفا في حرب أهلية امتدت من 1975 إلى 1989، واستوت سلمًا في اتفاق أقر النظام الطائفي، باعتبار أن هذا يمثل “الواقعية السياسية” أيامها، أملا في أن يتغير السياق، وتتبدل الظروف، وتختلف المعادلات، وتتجدد قواعد الممارسة السياسية، فتخرج لبنان من كهف الطائفية إلى براح الدولة الحديثة، لكن ها هي السنوات قد كرت ومرت ولا يزال لبنان عند حاله القديم.

إن بيروت الجميلة، تكاد ألا تندمل جراحها السياسية. فهناك أعداء متربصون بها، أكثرهم خطورة عليها هم بعض أهلها، الذين لا يريدون أن يأخذوا بيدها؛ لتستمر “ست الدنيا” كما غنت لها قيثارة السماء فيروز تريد بيروت، وكما هو كل لبنان، مفارقة حياة “ملوك الطوائف” وتدخل الدنيا الحديثة، لكن هؤلاء لا يريدون، وإسرائيل أيضا، كما كان نظام حافظ الأسد الذي لم يكن أمامه من سبيل لإقرار وجوده واستغلاله للبنان إلا تكريس الطائفية، وتغذيتها، وخلق مراكز نافذة داخل كل طائفة، مرتبطة بهذا النظام، على حساب انطلاق لبنان إلى مستقبل يليق ببلد مختلف بتكوينه الاجتماعي، وخلفية أهله الثقافية، وارتباطاتهم التاريخية، ورهاناتهم على الحاضر والمستقبل، ومثله فعلت أنظمة إقليمية حولت لبنان إلى ساحة لتصفية خلافاتها، وترك مخلفاتها السياسية، الضاجة بالإكراه والضغائن.

إن النخبة السياسية اللبنانية تبدو المسرح الشكسبيري الذي يجمع بين فرقاء يتآمرون في الخفاء ويتصارعون في العلن حول المطامح والمصالح والمناصب. وتتشرب هذه النخبة ملامح المجتمع اللبناني الفسيفسائية المعقدة فتأتي على شاكلتها مختلطة متداخلة، تتقارب وتتباعد وتتجاذب وتتنافر في حالة من الغليان الذي لا يعرف سبيلاً أو طريقًا إلى الراحة. ففي لبنان يوجد كل شيء وكل نوع من البشر، الأثرياء المتخمون الذين يتجشؤون البطر والفقراء المعدمون الذين يناطحون الحياة من أجل لقمة عيش تسد جوعتهم أو ثوب يستر عورتهم، هناك القصور الفاخرة والسيارات الفارهة في بيروت وجبل لبنان مثلاً وهناك أكواخ البسطاء وعزب الصفيح على أطراف المدن وفي أغوار الأقاليم. هناك من الناس المستبحر في العقيدة المستعد أن يدفع حياته ثمنًا لها كعناصر حزب الله وهناك المتفلت والعبثي الذي لا يؤمن بشيء.

وتسيطر “ذهنية الصفقة” على جانب من الحياة، وكما انقسمت العائلات قسمت المناصب السياسية أو وزعت، فرئيس الدولة مسيحي ورئيس الوزراء مسلم سني ورئيس مجلس النواب مسلم شيعي وفي ذات الوقت توزع مقاعد البرلمان وكراسي الوزارة ووظائف الإدارة العليا على الطوائف حسب وزنها الاجتماعي. والحياة السياسية عامة يحكمها الزعماء، وهم قادة الطوائف ورؤوس الميليشيات ورؤساء الأحزاب وكبار الملاك.

ولبنان الذي انفتح على العالم مبكرًا نهل من الثقافات المختلفة حتى ارتوى وتلونت خريطته الفكرية بشتى الألوان فهناك التحديثي وهناك التقليدي وهناك الراديكالي في مقابل المحافظ ويوجد من يفكر تفكيرًا لاتينيًا ومن يسلك نهجًا أنجلوسكسونيا، ويحيا فريق حياة دينية خالصة، وفريق آخر لا يرى للعلمانية بديلاً، وفي خضم هذا الانفتاح لا تزال العشائرية تعشش في العقل اللبناني.

إن بعض هذا يعطي لبنان شخصية مختلفة، وذائقة مغايرة، لكنه يصنع ركاما شديدا، من الضروري أن يفكر اللبنانيون في التخلص منه، لا سيما مع الروح التي ولدت في الشهور الأخيرة راغبة في التغيير.

وفي طريق رفع الركام يولد سؤال: هل يعدم لبنان رجال دولة يمكن أن يساعدوا في انتشاله من أزمته الراهنة؟ للوهلة الأولى يمكن أن نجيب بـ”لا” ثم نتأكد حين نستعرض “النخبة السياسية المضادة” التي تقف في وجه “النخبة الحاكمة” الموزعة على مختلف الطوائف.

فإذا كانت هناك نخبة قد تبوأت مقاعد السلطة سواء في البرلمان أو الوزارة يوجد من يقابلها، وهم أولئك الذين يخسرون في المنافسة الانتخابية على مقاعد مجلس النواب والذين يتم تجاوزهم عند تشكيل الحكومات، وكذلك بارزون ووجهاء لم يتم تجريبهم من قبل.

وهؤلاء يشكلون نخبة قوية في وجه النخبة الحاكمة حيث يمتلكون ذات المقدرات من التأييد والدعم المحلي والتمرس في العمل السياسي العام وامتلاك الثروة والتاريخ.

ورغم أن الحكومات المشكلة دائمًا تراعى مسألة احتواء أصحاب النفوذ وترضية الطوائف إلا أن الحياة السياسية اللبنانية مليئة بالمتذمرين والمتمردين؛ لذا ليس من الغريب أو الجديد أن تجد عقب كل تشكيل وزاري مجموعة ترفض وتعارض بشدة وهي ليست من أولئك الذين تم استبعادهم فقط بل أيضًا من بين الوزراء أنفسهم الذين لا يرضون عن حقائبهم وكانوا يطمحون في حقائب أعلى وأكبر. وهؤلاء بوسعهم أن يجدوا في ركاب الغضب الشعبي المتصاعد ما يحملهم إلى حيث يريدون.

في العموم فإن نشاط النخبة السياسية في لبنان سواء الحاكمة أو المضادة جعل الحياة السياسية هناك مليئة بالحركة ومتيمة بالتغيير فهناك نحو سبعين وزارة في 77 عامًا تقريبا، ومجلس النواب ينتقل عدد أعضائه من 55 إلى 66 إلى 77 ثم يهبط إلى 44 ويرتفع إلى 66 ويقفز إلى 99 ويستمر هكذا من عام 1960 حتى بعد انتهاء الحرب الأهلية، فيقفز إلى 108 أعضاء ثم أخيرًا 128 عضوًا. فالطوائف تزيد وتبرز قوة بعضها؛ ولذا لا بد من أن يتم التنفيس عن هذه القوة بتوزيع الأعداد والمناصب والأدوار وإلا حدث الانفجار بل إن هذا الانفجار كان محتومًا فاندلعت الحرب الأهلية وشوهت صورة لبنان الاجتماعية ولطخت جدرانه بدماء أبنائه، ويكفي أن نقرأ رواية الأدبية اللبنانية رجاء نعمة “كانت المدن ملونة”؛ لنعرف القدر الهائل من المعاناة والإحباط والتفسخ الاجتماعي الذي أصاب لبنان في هذه الحرب.

وازداد الأمر سوءًا حين داهمت قوات إسرائيل لبنان الجريح عام 1982 فافترست جزءًا منه واقتطعت بعض نخبته السياسية بجماهيرها فجيشت منها جنودًا عملاء ولم يطق الشاعر الفذ خليل حاوي أحد أبرز وجوه النخبة المثقفة هذه المفارقة فانتحر احتجاجًا على أداء هذه النخبة المتصارعة التي أورثت لبنان الخراب والاحتلال، بعد أن لخص الحال اللبنانية كلها في بيتين من الشعر يقولان:

“نحن من بيروت مأساة ولدنا بوجوه وعقول مستعارة

تولد الفكرة في السوق بغيا ثم تقضي العمر في لفق البكارة”.

بعد الطائفية قفزت ثلاث قضايا دارت حولها النخبة السياسية اللبنانية في أدائها وتحسب حسابها في تنافسها وهي: “تحرير الأرض السليبة، وإعمار البلاد المخربة، والحد من صراع الطائفية المرذول”، وستظل هذه القضايا تؤرق النخبة السياسية اللبنانية في المستقبل المنظور.

وبينما نجحت في الأولى، حين انسحبت إسرائيل عام 2000 من طرف واحد، فإن مسار الإعمار تعثر بسبب الفساد، وتعمقت الطائفية الصامتة، وزاد الاستقطاب السياسي، وصارت لبنان ساحة لتصفية صراعات إقليمية ودولية، وضعف الولاء للدولة.

اليوم يعيش لبنان غليانا أشد، فبينما كانت تداعيات انتفاضة أكتوبر الماضي لا تزال سارية جارية وقع انفجار مرفأ بيروت، وسط أزمة اقتصادية طاحنة، ومخاوف أمنية عميقة، فاستقالت الحكومة أو أقيلت، وتعالت الدعوات إلى إجراء انتخابات نيابية، وفي ركابها هناك فقدان ثقة في النخبة السياسية الحاكمة، واتهام لها بأنها مصابة بمرض طائفي مزمن يغلفه فساد وقلة كفاءة إدارية، ولهذا فإن السعي سيزيد مستقبلا وراء نخبة مضادة، لن يكون بمقدورها، إن تقدمت في الحياة السياسية، أن تعالج المشكلات المطروحة، وأولها الطائفية، بين يوم وليلة، لكنها قد تنجح في إنقاذ لبنان من الانهيار عبر فوضى أو حرب أهلية جديدة، لا قدر الله.

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: