ريش الطيور.. تدفئة وطيران وتزاوج وأشياء أخرى

8

كانت الطيور هي نجوم الحجر الصحي، فعندما توقفت السيارات وخلت الشوارع، ملأت الطيور الفراغ فزقزقت لنا في أيام الوحشة. صغيرة خفيفة الوزن تحلق في الهواء وتنشر الفرح غالبا والحرية والخيال المجنح وتحفز عالم الأفكار.

بهذه المقدمة، افتتحت صحيفة “لوتان” (Le Temps) السويسرية المقال الأول من سلسلة عن الطيور، أعدته بمساعدة المتخصص فرانسوا توريان الذي يدير مركز “حياة الطيور” (BirdLife International) على ضفاف بحيرة نوشاتيل في لاسوج بسويسرا.

التقت محررة المقال ماري بيير جينيكان بمدير بيردلايف الذي يعرف كل شيء عن ذوات الأجنحة ويحب الحديث عنها، ويرى أنها مقاييس لبيئتنا، وأن تناقصها يعني عدم قدرنا على التعامل بجدية مع تحديات تدهور التنوع البيولوجي والاحتباس الحراري.

بدأ توريان الحديث عن أصول 11 ألف نوع من الطيور التي تعيش على الكوكب، وقال إن “كل شيء بدأ منذ 200 مليون عام، حين ظهرت الديناصورات الصغيرة من نوع الأركيوباتركس ذات الريش التي لديها درجة حرارة ثابتة، مما ميزها عن الزواحف والديناصورات الأخرى التي تختلف درجة حرارتها باختلاف الفصول”.

لذلك، فالطائر لا يتأثر دمه وأعضاؤه الداخلية بالبرد، لأنه يحافظ -منذ أكثر من 150 مليون عام- على درجة حرارة 41 مئوية في الشتاء والصيف، ويمكنه بالتالي -مثلنا ومثل الثدييات جميعا- أن يتحرك طوال العام.

ولكن كيف يقاوم مثل هذا الكائن الصغير الصقيع القطبي أحيانا؟ السر يكمن في شهيته البالغة، وقبل كل شيء في كفاءة ريشه، إذ إن الريش قد يكون بالنسبة لنا شعار الطيران، ولكنه بالنسبة للطائر هو ضمان بقائه، بحيث إن 99% من ريش الطائر يتكون من الزغب، أما الريش الكبير أو ريش الطيران الذي يلمع من الخارج والمستخدم للطيران فهو الأقل.

يقول توريان إن “الريش عازل قبل أن يكون دافعا، وبفضل تصميمه الذكي وملمسه الخاص، يشكل الجزء السفلي منه طبقة مقاومة للماء”.

الجناح لدى الطائر هو مقابل الذراع البشرية، ويتكون من ريش الطيران الأساسي، وهو ريش طويل غير متماثل مثل السلاميات ويسمح بالدفع، وبعده ريش الطيران الثانوي المرتبط بالزند ويساعد على الرفع، وأخيرا ريش الطيران الثالث المرتبط بالعضد ويستخدم للتثبيت.

أما الطيران، فهو على نوعين رئيسيين: الطيران بخفق الجناح الذي يستخدمه 90% من الطيور، والطيران الشراعي الذي تستخدمه أساسا الطيور الجارحة واللقالق والبجع، لأن أجنحتها الطويلة والواسعة جدا توفر قوة رفع كبيرة.

ومع أن الطيران عن طريق خفق الجناح يتطلب الكثير من الطاقة لكثرة الحركة من أجل الارتفاع، فإنه يوفر ميزة الاستقلال، بحيث لا يعتمد على النهار أو الليل أو الطقس، عكس الطيران الشراعي الذي يحتاج إلى التيارات الدافئة، مما يجعل الطيور الجارحة تحجم عن الإقلاع في بعض الظروف.

وليس الطقس هو الكابح الوحيد للطيران، بل الوزن أيضا، حيث إن النعامة بوزنها الذي قد يبلغ 120 كيلوغراما، يستحيل عليها مغادرة سطح الأرض، لأن حد الوزن الأقصى للطيران هو 15 إلى 20 كيلوغراما، وإن كان طائر الحبارى الكبير جدا لا يزال قادرا على الطيران.

ويشكل البطريق مثالا آخر على العجز عن الطيران، كما يقول المتخصص، لأن جناح هذا الغطاس تحول إلى زعنفة، تجعل منه طوربيدا تحت الماء لصيد الأسماك. وليس طائر الكيوي ببعيد من شكله، لأن أجنحته ضعيفة وريشه أقرب إلى الحراشف.

أما الأبطال في مجال الطيران -كما يورد المقال- من حيث الارتفاع والسرعة والتحمل، فأولها النسور التي تعد ملكة الارتفاع، حيث رصدت طائرة أحدها على ارتفاع 11 ألف متر.

في حين يسيطر صقر الشاهين على سباقات السرعة، بجسمه المضغوط وجذعه الضخم وأجنحته الرفيعة المدببة، بحيث يصل إلى 320 كيلومترا في الساعة عند الانقضاض، ويحافظ أثناء الطيران العادي على سرعة تتراوح بين 150 و200 كيلومتر في الساعة.

أما الرقم القياسي في مدة الطيران، فهو لمجموعة “مارتيني” من الطيور المهاجرة التي تتغذى وتتزاوج وتنام في الجو ولا تهبط إلا لتنام، وهي تستريح فوق التيارات الهوائية، وتطير بسرعة كبيرة تصل 100 أو 150 كيلومترا في الساعة.

وعند السؤال عن ألوان ريش الطيران، ولماذا تكون بعض الإناث رمادية أو بنية في حين يتوهج الذكور بألف لون، كما هو الحال في البط؟ يوضح توريان أن “الأمر يتعلق بالتباين الجنسي وهو مرتبط بالتكاثر”، بحيث يتميز الذكور من أجل التمكن من إغواء الإناث التي تختار شريكها وفقا لخصائصه الجسدية.

وكمثال على ذلك، يقول المتخصص إن طيور السنونو، يكون للذكور منها شرائح أطول في ريش الذيل الخارجي، “وكلما طالت زاد تأثير الإغواء، لأن الطول مرادف للجينات الجيدة”.

ومثل شعرنا، يتجدد ريش الطيور في فترت محددة، وبالتالي يتساقط بشكل دوري، إلا أن عائلة “أناتيدا” التي منها الإوز والبط والبجع، تفقد ريشها فجأة بعد التعشيش في الصيف ولا يعود بإمكانها الطيران، ولذلك تحمي نفسها بالاختباء وسط الغطاء النباتي.

أما الطيور المغردة التي تشكل النصف الأكبر من الطيور في العالم، فيتساقط ريشها تدريجيا، بحيث يتم استبدال ريش الجناح على مراحل لا تمنع الطائر من الطيران والهروب من المفترسات.

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: