وثائق مسمارية تكشف: هكذا تعاملت ممالك الشرق القديمة مع انتشار الأوبئة

12

بينما يتفاقم انتشار فيروس كورونا في جميع أنحاء العالم، ويشهد العالم تدابير وقائية استثنائية من حجر منزلي وتباعد اجتماعي وعزل للمصابين، يمكن لنا أن نطرح بعض التساؤلات فيما يخص التدابير الاحترازية التي اتخذتها الشعوب في منطقة الشرق الأوسط في العصور القديمة في حالات انتشار الأوبئة أو الأمراض المعدية.

الدكتورة سيسيل ميشال، الباحثة في علم الآشوريات ومديرة الأبحاث في المركز الوطني (الفرنسي) للبحث العلمي (Centre national de la recherche scientifique) ورئيسة الجمعية الدولية لعلم الآشوريات (International Association for Assyriology)، بحثت في الموضوع.

ففي مقال لها منشور في المجلة العلمية “بور لا سيونس” (Pour la science) في شهر أبريل/ نيسان الماضي بعنوان “السيطرة على الأوبئة في العصور القديمة في الشرق الأوسط”، تشير إلى أن الوثائق المسمارية التي تم استخراجها من مواقع أثرية في بلدان العراق وسوريا وإيران وتركيا تبيّن حالات أمراض متنوعة عاشتها تلك الشعوب.

وتقترح النصوص الطبية علاجات وعادات مختلفة في معالجة المرضى، وتلحظ الكثير من الأدوية التي لا يعرفها العلماء سوى باللغة الأكادية (اللغة الأكادية هي لغة سامية، ظهرت في العراق منذ 3000 سنة قبل الميلاد، وهي من اللغات السامية الشرقية)، وقد تسببت بعض الأمراض المعدية في وفاة الكثير من العائلات.

وتوثق مذكرة تعود إلى القرن التاسع عشر قبل الميلاد، تكاليف دفن زوجة أحد التجار الآشوريين في منطقة كانيش (موقع أثري مهم في تركيا) وسط الأناضول. وكانت تلك الزوجة قد وزعت إرثها على أولادها الثلاثة، غير أن ولديها توفيا أيضا لاحقا بالمرض عينه.

كان للأوبئة أيضا أثر سياسي هام، إذ قضى الملك الحيثي القديم سابيليوليوما الأول (القرن الرابع عشر قبل الميلاد- ملك الحيثيين أيام حكم توت عنخ أمون في مصر) بمرض الطاعون بعد 30 عاما على العرش.

وبينما كان الوباء يتضاءل في مصر، انتقل الوباء إلى وسط الأناضول من خلال مصريين تم القبض عليهم من قبل جماعات من الحيثيين خلال بعض المعارك في شمالي سوريا.

انتشر الطاعون في مجتمع الحيثيين، وقضى على بعض أفراد العائلة المالكة، ومنهم أرنوواند الثاني ابن الملك سابيليوليوما الأول، وذلك بعد أقل من سنة على وفاة والده. تولى الحكم الشقيق الأصغر، ملك الإمبراطورية الحيثية (1321-1295 ق.م)، مورسيلي الثاني الذي كان يعتقد أن الوباء غضب رباني لمعاقبة والده بسبب قتل إخوته في بداية الحكم، فبدأ بالصلاة لمواجهة وباء الطاعون.

من جهة أخرى، يوثق الأرشيف الملكي لمملكة ماري (تعود هذه المملكة إلى 5 آلاف عام، تموضعت على ضفاف نهر الفرات في محافظة دير الزور شرقي سوريا، حيث ازدهرت خلال الألفين الثالث والثاني قبل الميلاد، وشكلت عاصمة الفرات الأوسط) توثيقا جيدا وملحوظا التدابير المتخذة في مواجهة الأوبئة.

وتبيّن بعض المراسلات بين الملك وزوجته أن الوقاية من عدوى الأمراض اتخذت على محمل الجد، خصوصا بعد إصابة إحدى الخادمات بمرض معد.

وكتب الملك زميري ليم (آخر ملوك مملكة ماري) إلى زوجته “لقد علمت أن الخادمة نانا مصابة بمرض جلدي معد، لذا يجب ألا تقصد سوى مكان واحد في القصر، ويجب إعطاء الأوامر الصارمة: لا يشرب أحد من حيث تشرب، ولا يجلس أحد حيث تجلس، ولا ينام أحد في السرير حيث تنام، وذلك بغية ألا تنقل العدوى إلى نساء أخريات”.

كما قامت الملكة بإبلاغ الملك بحالة مرض خادمة أخرى تدعى اشتاقي، التي مكثت وحدها في بناء جديد، وتناولت طعامها وشرابها بشكل منفصل، من دون أن يقترب أحد منها أو من مكان إقامتها.

وفي رسالة أخرى، توجه بها الملك إلى الملكة يذكر فيها التدابير التي يجب أن تتخذ نسبة إلى إصابة امرأة أخرى بالمرض، إذ أوجب الملك أن تمكث تلك المريضة في غرفة منفصلة، من دون أن يزورها أحد.

وتشرح الباحثة سيسيل ميشال أن ظاهرة عدوى الأمراض ومفهومها كانت واضحة ومعروفة عند المجتمعات القديمة. إذ كان يتم حجر المريض وعزله للحد من انتشار الوباء، وحماية المجتمعات وأفراد القصور. وكانت هذه القرارات تعطي ثمارها.

وتعرب الباحثة ميشال عن أملها بأن تكون التدابير الوقائية التي تتخذها المجتمعات اليوم فعالة ومناسبة كالتي اتخذت في مملكة ماري قبل 4 آلاف عام.

من جهة أخرى، يذكر عالم الآشوريات الدكتور مدحي الرشيد في مقال بعنوان “الملك الذي أمر بالحجر الصحي لتسطيح منحى الوباء منذ 4 آلاف عام” المنشور على الموقع الإلكتروني “ناراتفلي” (narratively) أنه وبالرغم من أن مملكة ماري قاربت آلية انتشار الأوبئة المعدية بشكل مختلف عما هو جار اليوم، فإنها أدركت وعرفت أنه يمكن للمرض أو الوباء أن يكون معديا.

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: